التلوث البلاستيكي.. فاتورة تتضخم وتهدد الاقتصاد والبيئة إعداد دكتور/ عبدالمنعم صدقي استاذ بمركز البحوث الزراعية

- Europe and Arabs
- الأربعاء , 7 أكتوبر 2026 6:20 ص GMT
5.5 مليار دولار كل عام. هذه ليست تكلفة إنتاج البلاستيك، بل فاتورة التلوث الناتج عنه في مصر والمغرب وتونس. والأسوأ أن الرقم قد يقفز إلى نحو 98 مليار دولار بحلول 2040 إذا استمر العالم في إنتاج البلاستيك واستهلاكه والتخلص منه بالطريقة نفسها. خلف هذه الأرقام قصة أكبر من مجرد أكياس وعبوات وقوارير تتراكم في الشوارع والشواطئ. إنها فاتورة تدفعها الموازنات العامة، وتتحملها المجتمعات الساحلية، وتظهر في خسائر قطاعات تعتمد على البحر والموارد الطبيعية. البلاستيك رخيص عند شرائه، لكنه ليس رخيصاً عندما يتحول إلى نفايات. فالحكومات تنفق على جمع المخلفات ونقلها والتخلص منها. والمدن تدفع لتنظيف الشوارع والمناطق العامة. والمجتمعات الساحلية تواجه كلفة تنظيف الشواطئ ومواجهة تدهور البيئة البحرية. أما القطاعات المرتبطة بالبحر، من السياحة إلى الصيد، فتتحمل جانباً آخر من الخسائر عندما تتراجع جودة البيئة وتتراكم المخلفات.
هذه هي الفكرة الأساسية التي يسلط عليها تقرير «الثمن الخفي للبلاستيك: تقييم الأعباء الاقتصادية والبيئية للتلوث البلاستيكي في مصر والمغرب وتونس» الصادر عن غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: المشكلة لا تنتهي عندما نلقي البلاستيك في سلة المهملات، بل تبدأ مرحلة جديدة من التكلفة. وتزداد خطورة المشهد لأن كثيراً من المنتجات البلاستيكية تُستخدم لدقائق أو ساعات فقط، ثم تتحول إلى نفايات قد تستمر آثارها في البيئة لعقود. وإذا لم تصل إلى أنظمة الجمع والمعالجة، فقد تجد طريقها إلى المكبات المفتوحة أو الأنهار والمجاري المائية، ومنها إلى البحر.
وفي البحر المتوسط تحديداً، تصبح الحدود بلا معنى. قطعة بلاستيك تبدأ رحلتها على اليابسة يمكن أن تنتقل عبر المياه والتيارات البحرية إلى مكان آخر. ومع الوقت، قد تتفتت إلى جزيئات بلاستيكية دقيقة يصعب جمعها وإزالتها. وهكذا يتحول ما يبدو مشكلة محلية إلى أزمة إقليمية عابرة للحدود. وتكتسب المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر والمغرب وتونس، الدول المرتبطة اقتصادياً وبيئياً بالبحر المتوسط. فالسواحل ليست مجرد مناطق طبيعية؛ إنها مصدر للدخل والعمل والسياحة والصيد، وأي تدهور فيها يحمل تكلفة اقتصادية تتجاوز قيمة النفايات نفسها.
وفي مصر، تتداخل هذه المخاطر مع امتداد السواحل على البحر المتوسط والبحر الأحمر، ومع أهمية السياحة والموارد البحرية والأنشطة الساحلية. وكلما زادت كميات البلاستيك المتسربة إلى البيئة، أصبح تنظيفها ومعالجتها أكثر صعوبة، وارتفعت كلفة استعادة ما يمكن استعادته. لكن الأزمة أكبر من الدول الثلاث. العالم نفسه يغرق في البلاستيك. الإنتاج يرتفع، والاستهلاك يتوسع، بينما لا تزال أنظمة جمع النفايات وإعادة تدويرها عاجزة عن مواكبة التدفق المتزايد. والنتيجة أن جزءاً كبيراً من البلاستيك ينتهي في المدافن أو البيئة أو يتعرض للحرق، بدلاً من أن يدخل في دورة استخدام جديدة.
وهنا يظهر البعد المناخي للأزمة. فالبلاستيك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالوقود الأحفوري، من المواد الخام إلى مراحل التصنيع والنقل والتخلص. لذلك لم تعد أزمة البلاستيك قضية نفايات فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور النظم البيئية. أما الرقم الأكثر إثارة للقلق فهو 98 مليار دولار. هذا هو حجم الفاتورة المحتملة بحلول 2040 إذا استمر المسار الحالي. والرقم لا يمثل مجرد توقع مالي؛ بل يعكس تكلفة التأخر في معالجة المشكلة. فكل عام من التأخير يعني مزيداً من النفايات، ومزيداً من التلوث، ومزيداً من الأموال المطلوبة للتعامل مع النتائج.
المعادلة بسيطة: منع التلوث أقل كلفة من تنظيفه بعد وقوعه. ولهذا يتجه النقاش الدولي تدريجياً من سؤال «كيف نتخلص من البلاستيك؟» إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف ننتج ونستخدم كمية أقل منه من الأساس؟ في مارس 2027، تستأنف مفاوضات المعاهدة العالمية بشأن التلوث البلاستيكي، في مسار يستهدف الوصول إلى اتفاق دولي ملزم قانوناً لمواجهة الأزمة، بما في ذلك التلوث في البيئة البحرية. وتأتي المفاوضات في لحظة حاسمة بالنسبة إلى الدول التي تتحمل أعباء التلوث على الأرض والبحر. فالمطلوب لا يقتصر على زيادة عمليات التنظيف أو تحسين إدارة النفايات، بل يمتد إلى تقليل إنتاج البلاستيك غير الضروري، والحد من المنتجات أحادية الاستخدام، وتشجيع إعادة الاستخدام، وتحسين أنظمة الجمع والتدوير، وتوفير التمويل والتكنولوجيا للدول التي تحتاج إلى دعم أكبر في عملية التحول.
وبالنسبة إلى مصر والمغرب وتونس، تحمل المفاوضات فرصة لطرح الكلفة التي تدفعها هذه الدول بالفعل، والدفع نحو حلول لا تنقل العبء من مرحلة إلى أخرى، بل تعالج الأزمة من مصدرها. فالمشكلة لم تعد في الكيس أو الزجاجة أو العبوة وحدها. المشكلة في منظومة كاملة تنتج كميات هائلة من البلاستيك لا تستطيع البيئة ولا أنظمة إدارة النفايات استيعابها.
وفي نهاية المطاف، تكشف فاتورة 5.5 مليار دولار سنوياً في الدول الثلاث حقيقة يصعب تجاهلها: البلاستيك الذي يبدو رخيصاً في لحظة الشراء قد يصبح مكلفاً جداً بعد التخلص منه. وإذا وصلت الفاتورة إلى 98 مليار دولار في 2040، فلن يكون السؤال عندها عن تكلفة البلاستيك، بل عن تكلفة التأخر في التحرك.
فكل قطعة بلاستيك تُنتج اليوم ولا تجد طريقاً آمناً بعد استخدامها قد تتحول غداً إلى فاتورة يدفعها الاقتصاد والبيئة والمجتمع معاً.

لا يوجد تعليقات