الامم المتحدة : الهجرة ليست أزمة في حد ذاتها، بل الأزمة تكمن في "فشل العالم الجماعي في إدارتها بشكل مشترك حتى تخلق الفرص، وتعزز النمو، وتدعم التنمية

- Europe and Arabs
- الجمعة , 8 مايو 2026 5:18 ص GMT
نيويورك : اوروبا والعرب
قال أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن الهجرة ليست أزمة في حد ذاتها، بل الأزمة تكمن في "فشل العالم الجماعي في إدارتها بشكل مشترك"، وشدد على أن المطلوب هو تعاون عابر للحدود، وعبر مختلف شرائح المجتمع، مضيفا أنه "لا يمكن لأي دولة إدارة الهجرة بمفردها".
جاء ذلك في كلمته التي ألقاها الخميس في المنتدى الدولي الثاني لاستعراض الهجرة، المنعقد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك. ويهدف المنتدى إلى استعراض التقدم المحرز على مدار السنوات الأربع الماضية، وعلى كافة المستويات، في تنفيذ الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية، الذي تم اعتماده عام 2018. بحسب ماجاء في نشرة الاخبار اليومية للامم المتحدة
وأكد السيد غوتيريش أن الهجرة تشكل "جزءا لا يتجزأ من القصة الإنسانية"، إذ ساهمت في بناء المجتمعات، ودفع عجلة النمو الاقتصادي، وتحفيز الابتكار في شتى أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن الهجرة تتعرض اليوم للتشويه بفعل "الخوف والمعلومات المضللة"، حيث يتخذ المهاجرون "كبش فداء لتحقيق مكاسب سياسية، ويتم تجريدهم من إنسانيتهم في الخطاب العام، وحرمانهم من حقوقهم وكرامتهم".
الوفاء بالاتفاق العالمي
وقال الأمين العام إن الاتفاق العالمي يمثل محطة فارقة في مسيرة التعاون متعدد الأطراف في مجال الهجرة، وسلط الضوء على ستة سبل للتحرك بعزم والوفاء بالالتزامات المنصوص عليها فيه:
وضع حقوق الإنسان في صدارة الأولويات وفي صميم العمل: "يجب أن ترتكز حوكمة الهجرة على الكرامة والإنسانية والحقوق".
جعل الهجرة أكثر أمانا: من خلال تحسين أنظمة الإنذار المبكر، وتقديم المساعدة للمهاجرين الذين يواجهون المحن، وضمان أن تكون عمليات العودة - متى حدثت - آمنة وتصون الكرامة الإنسانية.
التصدي بحزم للمهربين والمتاجرين بالبشر: تفكيك الشبكات الإجرامية العابرة للحدود الوطنية - التي تستغل يأس الناس وتتربح من الموت - "لا يعد واجبا أمنيا فحسب، بل هو واجب أخلاقي أيضا".
استحداث مسارات حقيقية وقابلة للتطبيق للهجرة النظامية: "عندما تكون المسارات قابلة للتنبؤ، وعادلة، وميسرة، الجميع يستفيد".
توسيع نطاق الفرص في بلدان المنشأ: من خلال الاستثمار على نطاق واسع في مجالات التعليم، واكتساب المهارات، وتوفير العمل اللائق، ولا سيما للشباب؛ "يجب أن تكون الهجرة خيارا حقيقيا".
الاستثمار في التعاون: تعد شبكة الأمم المتحدة المعنية بالهجرة والصندوق الاستئماني متعدد الشركاء للهجرة أداتين مهمتين وفعالتين في هذا الصدد.
وقال غوتيريش إن المنتدى يتيح الفرصة لتسريع العمل على الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية، باعتبارها أولوية حيوية، وذلك من خلال تقديم تعهدات ملموسة، وتبادل التعلم بين الأقران، وتحديد أهداف قابلة للقياس.
كما دعا المشاركين إلى إثبات أن التعاون متعدد الأطراف يحقق نتائج فعلية "على الحدود وفي المجتمعات المحلية، وفي المدارس وأسواق العمل، وفي القنصليات وقاعات المحاكم، وقبل كل شيء، في حياة المهاجرين وفي المجتمعات التي يساهمون في تعزيزها".
"مكسب ثلاثي الأبعاد"
قالت رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك، إن النقاشات حول الهجرة - التي غالبا ما تتسم بطابع سياسي حاد - تتعامل مع الموضوع في كثير من الأحيان وكأنه "ظاهرة جديدة".
إلا أنها أكدت أن الهجرة "حقيقة إنسانية لا مفر منها"، مضيفة أن "جميعنا تقريبا، أو عائلاتنا، كنا مهاجرين في مرحلة ما". وأشارت إلى أن كل دولة اليوم تعد إما بلدا للمنشأ، أو للعبور، أو للمقصد، "وفي أغلب الأحيان، تكون الدول الثلاث معا في آن واحد".
وذكرت بيربوك أن الاتفاق العالمي يوفر إطارا مشتركا للتعاون والمشاركة متعددة الأطراف، ويستند إلى القانون الدولي وحقوق الإنسان، مع الاحترام الكامل للسيادة الوطنية.
وأشارت إلى التقدم الملموس في هذا الصدد منذ انعقاد منتدى المراجعة الأول قبل أربع سنوات، "غير أنه لا يزال هناك الكثير مما يتعين إنجازه لتحقيق كامل إمكانات هذا الاتفاق، وجعل الهجرة مكسبا ثلاثي الأبعاد: مكسبا للمهاجرين، ومكسبا لبلدان المقصد، ومكسبا لبلدان المنشأ أو العبور".
وقالت إنه لولا المهاجرون، "لما تمكنت أي دولة تقريبا من الازدهار، ولا سيما الدول الصناعية التي تعاني من انخفاض معدلات المواليد وتحتاج بشكل هائل إلى العمال المهاجرين". ولكنها أكدت في الوقت ذاته على أن تجاهل التحديات والضغوط الاجتماعية المرتبطة بالهجرة ينطوي على خطر تحويلها إلى "مصدر للانقسام والاستقطاب السام".
إعادة بناء الثقة
وبصفتها رئيسة شبكة الأمم المتحدة المعنية بالهجرة، شاركت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، قصة شاب بنغلاديشي يعمل لحاما، كانت قد التقته في ليبيا.
هذا الشاب، الذي كان ينتظر العودة الطوعية إلى بنغلاديش بدعم من المنظمة، كان قد خسر سنوات من مدخرات عائلته في محاولته العثور على عمل لائق بعيدا عن وطنه، ليقع في نهاية المطاف ضحية لخداع المهربين الذين وعدوه بإيصاله إلى أوروبا.
كان الشاب واحدا من الناجين القلائل بعد غرق قاربهم المكتظ قبالة الساحل الليبي، حيث عثرت عليه قوات خفر السواحل بعد قضائه 30 ساعة في المياه وهو في حالة من "الجفاف والصدمة والانهيار التام".
وقالت السيدة بوب: "إن شابا يعمل لحاما، ويمتلك مهارات يحتاج إليها العالم، لا ينبغي له أن يضطر إلى المخاطرة بحياته في عرض البحر بحثا عن عمل لائق. لا ينبغي لعائلته أن تضطر للمخاطرة بكل ما تملك من أجل دفع تكاليف تلك الرحلة. ولا ينبغي للمهربين أن يثروا على حساب يأس هذا الشاب".
وأضافت المديرة العامة أن الهجرة، متى أُديرت بشكل سليم، تخلق الفرص، وتعزز النمو، وتدعم التنمية، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب تعاونا عابرا للحدود والقطاعات والمؤسسات.
وأشارت إلى أن المنتدى ينعقد في لحظة يتعرض فيها التعاون متعدد الأطراف لضغوط حقيقية، قائلة: "في صميم هذا التحدي تكمن الثقة: الثقة بين الدول، والثقة في إمكانية إدارة الهجرة بطرق تتسم بالنظام والإنسانية والمنفعة المتبادلة. وحينما تنهار تلك الثقة، يتفكك التعاون، والناس هم من يدفعون الثمن".
وأكدت بوب أنه لا ينبغي للمنتدى أن يقتصر على مجرد تقييم الوضع الراهن، بل يجب أن يعمل على إعادة بناء الثقة في أن التعاون لا يزال قادرا على تحقيق النتائج المرجوة.
وقالت للمشاركين إن شبكة الأمم المتحدة المعنية بالهجرة تقف على أهبة الاستعداد لدعم الدول الأعضاء، من خلال شبكاتها القُطرية والإقليمية، وتبادل الخبرات، وأدوات التمويل مثل الصندوق الاستئماني متعدد الشركاء للهجرة، بهدف ترجمة الالتزامات إلى إجراءات عملية.
لكنها شددت على أن النجاح في نهاية المطاف يعتمد على "الخيارات التي تتخذونها أنتم، بصفتكم حكومات، ومجتمعات، وأرباب عمل".
واختتمت حديثها قائلة: "ينبغي أن يكون الشاب اللحام التالي الذي ألتقيه على مسار آمن ومنتظم نحو عمل لائق، لا أن يكون متشبثا بالبقاء حيا في عرض البحر. تلك هي الفرصة الماثلة أمامنا هنا والآن، فلنغتنمها معا".

لا يوجد تعليقات