نيويورك : اوروبا والعرب
حذرت الأمم المتحدة من أن تنظيم داعش لا يزال يشكل تهديدا خطيرا للسلم والأمن الدوليين، مؤكدة أن التنظيم – رغم الضغوط المتواصلة لعمليات مكافحة الإرهاب التي عطلت قيادته العليا وقلّصت قدرته على إدارة عملياته مركزيا – لا يزال قادرا على الصمود والتكيف مع المتغيرات. بحسب ماجاء قي نشرة الاخبار اليومية للامم المتحدة التي تلقينا نسخة منها صباح الخميس مضيفة " وفي إحاطة قدمتها إلى مجلس الأمن، الأربعاء، استعرضت أوغولجيرين نيازبيردييفا، مديرة مكتب القائم بأعمال وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، التقرير الثالث والعشرين للأمين العام بشأن التهديد الذي يشكله داعش للسلم والأمن الدوليين، كما سلطت الضوء على الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة لدعم الدول الأعضاء في مواجهة هذا التهديد المتغير.
وأوضحت أن التنظيم لا يزال يستغل البيئات الأمنية الهشة والنزاعات المسلحة الممتدة، لافتة إلى أن الخطر يظل أكثر حدة في أجزاء من أفريقيا، ولا سيما في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد.
وفقا للتقرير، عزز عدد من فروع التنظيم قدراته، ووسع نطاق عملياته، وطوّر أساليبه التكتيكية. ويظل تنظيم "ولاية غرب أفريقيا" أكثر فروع داعش نشاطا على مستوى العالم، كما أظهر قدرة متزايدة على الحصول على الطائرات المسيّرة التجارية واستخدامها.
سوريا والعراق وجنوب آسيا
وسلطت المسؤولة الأممية الضوء على التطورات في سوريا، حيث تواصل التحولات السياسية والأمنية إعادة تشكيل بيئة التهديد. وأشارت السيدة نيازبيردييفا إلى أن إغلاق مخيم الهول في شباط/فبراير الماضي أثار مخاوف أمنية متزايدة، في ظل بقاء أماكن وجود آلاف الأشخاص غير معروفة.
وقالت إن ذلك "يؤكد ذلك دعوة الأمين العام إلى تنفيذ عمليات إعادة إلى الوطن بصورة آمنة وطوعية وكريمة، وبما يتوافق مع القانون الدولي".
وفي العراق، أوضحت أن الضغوط المستمرة لمكافحة الإرهاب حدّت بدرجة كبيرة من قدرات داعش، لكنها شددت على أن الحفاظ على هذه المكاسب يتطلب مؤسسات قوية وخاضعة للمساءلة، وإدارة فعالة للعدالة، وبرامج لإعادة التأهيل والإدماج، إلى جانب معالجة الظروف التي قد تتيح للتنظيم فرصة استعادة نشاطه.
أما في جنوب آسيا، فلا يزال تنظيم "داعش - خراسان" من أكثر فروع التنظيم قدرة، إذ يواصل إظهار نيته وقدرته على دعم أو إلهام هجمات خارج أفغانستان، مستفيدا في الوقت نفسه من حالة عدم الاستقرار المحلية لتجنيد عناصر جديدة والتخطيط لعملياته والحفاظ على أنشطته.
التعاون الدولي ضرورة ملحة
وقالت أوغولجيرين نيازبيردييفا إن الحفاظ على التقدم المحرز في مواجهة داعش يتطلب مواصلة جهود الوقاية، وتعزيز التعاون الدولي والإقليمي، واعتماد استجابات شاملة تستند إلى القانون الدولي.
وفي هذا السياق، حددت السيدة نيازبيردييفا ثلاثة محاور رئيسية ينبغي أن ترتكز إليها الاستجابة الدولية:
أولا، تعزيز التعاون الدولي. شددت على أن "لا تستطيع أي دولة بمفردها مواجهة هذا التهديد"، داعية إلى ترجمة التعاون الدولي إلى إجراءات عملية تشمل تبادل المعلومات، وتعزيز إدارة الحدود، والتعاون في مجال العدالة الجنائية، والتحقيقات المالية، والاستجابات المنسقة.
ثانيا، مواجهة استغلال التنظيم للتكنولوجيا الحديثة. وحذرت في هذا الصدد من تزايد استخدام داعش وفروعه للذكاء الاصطناعي، والاتصالات المشفرة، والمنصات الرقمية، والأصول الافتراضية، والطائرات المسيّرة، مؤكدة ضرورة تعزيز الحوكمة والرقابة والتعاون الدولي، بما في ذلك مع القطاع الخاص، مع الاستفادة من هذه التقنيات في دعم جهود الوقاية ومكافحة الإرهاب بما يتوافق مع القانون الدولي.
ثالثا، الالتزام بالقانون الدولي. أكدت أن جميع تدابير مكافحة الإرهاب يجب أن تستند إلى القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي للاجئين، مشددة على أن احترام هذه المعايير "ليس مجرد التزام قانوني، بل هو أيضا ضرورة عملية تشكل أساسا لفعالية جهودنا الجماعية ومشروعيتها واستدامتها".
دعم الضحايا وتعزيز العمل الدولي
وقبيل إحياء اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وإجلالهم – الذي يصادف 21 آب/أغسطس ويحمل هذا العام شعار "التعافي من خلال الذاكرة" – أشادت السيدة نيازبيردييفا بالضحايا والناجين من الإرهاب في مختلف أنحاء العالم.
وقالت: "إن شجاعتهم وصمودهم يذكراننا بالكلفة الإنسانية المدمرة للإرهاب، وبمسؤوليتنا الجماعية تجاه أولئك الذين تغيرت حياتهم إلى الأبد بفعل العنف الإرهابي".
وأعلنت أن مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب سينظم بهذه المناسبة فعالية رفيعة المستوى تتضمن شهادات لضحايا وناجين، ورسائل من كبار مسؤولي الأمم المتحدة، ودقيقة صمت عالمية.
استغلال الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية
بدورها، قالت كارمن كانتور، نائبة المديرة التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب إن المشهد الإرهابي يشهد تحولا متسارعا بفعل التقنيات الجديدة، موضحة أن الجماعات الإرهابية تواصل استغلال منصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة المشفرة، ومنصات الألعاب الإلكترونية، وأدوات الذكاء الاصطناعي لنشر الدعاية، وتجنيد المؤيدين، وجمع الأموال، وتعزيز قدراتها العملياتية.
وأضافت – في حديثها أمام مجلس الأمن – أن الدعاية لم تعد تقتصر على التأثير في الخطاب العام، بل أصبحت أداة تشغيلية تساعد التنظيمات الإرهابية على التجنيد، وحشد الموارد، وتوسيع نطاق نشاطها عبر الحدود، بينما تُستخدم المنصات الرقمية أيضاً لتسهيل عمليات التمويل ونقل الأموال وشراء الموارد.
ولفتت كارمن كانتور إلى استمرار وجود ثغرات في التصدي للروابط المتزايدة بين الإرهاب والجريمة المنظمة، مؤكدة أن هذا التداخل يشكل تحديا متناميا أمام جهود مكافحة الإرهاب. وسلطت الضوء على اتجاهين يثيران قلقا متزايدا:
الأول هو الاستخدام المتنامي للطائرات المسيّرة وتسليحها لأغراض إرهابية، ولا سيما في أجزاء من أفريقيا، حيث تعمل المديرية بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب وشركاء آخرين على تعزيز قدرات الدول في تقييم المخاطر، ومنع وصول الإرهابيين إلى هذه المنظومات ومكوناتها، ودعم الأطر الوطنية للتصدي لإساءة استخدامها، استنادا إلى المبادئ التوجيهية التي اعتمدتها لجنة مكافحة الإرهاب في أبوظبي.
أما الاتجاه الثاني فيتمثل في الحاجة إلى تعزيز تبادل المعلومات، وحماية البنية التحتية البحرية الحيوية، وإدماج الأمن البحري في أطر مكافحة الإرهاب، بما يشمل توسيع استخدام بيانات المسافرين، وتعزيز الربط بقواعد البيانات الدولية، وتكثيف التعاون لرصد تحركات الإرهابيين وتعطيلها.
وأكدت كارمن كانتور أن السياقات المحلية تظل عاملا رئيسيا في تشكيل طبيعة التهديد، مشيرة إلى أن تقريرا أصدرته المديرية في نيسان/أبريل حول وجهات نظر المجتمع المدني في غرب أفريقيا أظهر أن التنظيمات الإرهابية تستغل ضعف الحوكمة، وهشاشة الرقابة على الحدود، وسوء استخدام التقنيات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأكدت أن التهديد الذي يشكله داعش لم ينحسر، بل أصبح أكثر تشتتا وقدرة على التكيف، مشددة على أن الاقتصار على التدابير الأمنية أو التركيز على منطقة واحدة لن يكون كافيا للتصدي له. وقالت إن مواجهة هذا التهديد تتطلب تعاونا دوليا مستداما ونهجا شاملا يجمع بين الجوانب الأمنية والقانونية والوقائية والتنموية.
لا يوجد تعليقات