لمنع تسرب المواد الكيميائية الضارة إلى الطعام والشراب .. دعوة دولية إلى جعل البلاستيك المعاد تدويره أكثر أمانا للاستخدام

 

 
روما ـ نيويورك : اوروبا والعرب 

 

تعتمد الحكومات والصناعات حول العالم على البلاستيك المعاد تدويره للمساعدة في الحد من أزمة النفايات. إلا أن تحويل البلاستيك القديم إلى عبوات غذائية جديدة ينطوي على تحد هام، وهو ضمان أن تكون المادة آمنة بما يكفي للتلامس المباشر مع ما يأكله الناس. بحسب ماجاء في نشرة الاخبار اليومية للامم المتحدة 
وقال تحليل جديد صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الـفاو) إن البلاستيك المعاد تدويره ومواد التغليف البديلة يمكن أن تساعد في تقليل النفايات، ولكن فقط إذا صُممت أنظمة إعادة التدوير بعناية لمنع تسرب المواد الكيميائية الضارة إلى الطعام.
وأكد فيتوريو فاتوري مسؤول سلامة وجودة الأغذية لدى الفاو، أن النفايات البلاستيكية "تعد مشكلة عالمية متفاقمة، وتعتبر إعادة التدوير بشكل أفضل وأكثر فعالية أمرا أساسيا وجزءا من الحل".
وشدد على ضرورة تحسين جهود الحد من التلوث البلاستيكي وإعادة التدوير، "يجب أيضا التأكد من أننا عندما نحاول حل مشكلة في مجال ما، فإننا لا نخلق مشاكل جديدة".
تغليف الطعام يلعب دورا رئيسيا في أنظمة الغذاء الحديثة، حيث تساعد في الحفاظ على الجودة، وإطالة مدة الصلاحية، والحد من فقدان الطعام وهدره. وقد شهد سوقه نموا سريعا، حيث من المتوقع أن يرتفع حجمه من 505.27 مليار دولار في عام 2024 إلى 815.51 مليار دولار بحلول عام 2030.
لكن نمو استخدام التغليف البلاستيكي زاد من مشكلة التلوث المتفاقمة. وبينما لم تتم إعادة تدوير سوى أقل من 10% من النفايات البلاستيكية عالميا حتى الآن، يتوقع أن ترتفع هذه النسبة لأسباب تتعلق بالاستدامة.
عملية إعادة تدوير أكثر تعقيدا
على عكس العديد من المنتجات الأخرى المعاد تدويرها، يجب أن تستوفي عبوات المواد الغذائية معايير صارمة للسلامة الكيميائية.
إذ يمكن أن تحتوي عبوات وأغلفة الطعام البلاستيكية على آلاف المواد المستخدمة في التصنيع، بما في ذلك المثبتات والطلاءات والأصباغ والملدنات. وخلال عملية إعادة التدوير، قد تدخل ملوثات إضافية إلى مجرى النفايات نتيجة للفرز غير السليم أو التعرض البيئي أو الاستخدام السابق من قبل المستهلك. 
وقد وجدت الدراسات المذكورة في تحليل الفاو أن البلاستيك المعاد تدويره قد يحتوي على مواد مثل المعادن ومثبطات اللهب والفثالات والملوثات العضوية الثابتة بمستويات أعلى من البلاستيك الخام. 
في الوقت نفسه، يؤكد الخبراء أن البلاستيك المعاد تدويره والمعتمد للاستخدام في الأغذية يمكن أن يكون آمنا بقدر البلاستيك المصنّع حديثا عند خضوعه لعمليات تنظيف وتطهير دقيقة ومراجعة تنظيمية صارمة. ففي الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يشترط أن تستوفي المواد المعاد تدويرها والمعتمدة والملامسة للأغذية نفس معايير البلاستيك الخام.
وفي هذا السياق، قال فاتوري إن نتائج التقرير تظهر أنه في حين أن البلاستيك المعاد تدويره ومواد التغليف البديلة الملامسة للغذاء قد توفر فوائد بيئية، "إلا أنها قد تثير أيضا بعض التساؤلات المهمة المتعلقة بسلامة الغذاء".
وأضاف: "تطبيق [مبادئ] الاقتصاد الدائري أمر مهم، بل إنه جوهري؛ ولكن يجب تنفيذه على النحو الصحيح".
مواد وتساؤلات جديدة
يتناول التحليل أيضا مواد التغليف البديلة، بما في ذلك البلاستيك الحيوي، والألياف النباتية، والمواد القائمة على البروتين - وهي مواد يجري الترويج لها بشكل متزايد باعتبارها بدائل أكثر استدامة للبلاستيك التقليدي.
لكن مصطلح "قائم على أساس حيوي" لا يعني دائما أنه قابل للتحلل الحيوي. فبعض المواد المصنوعة من مصادر متجددة - مثل الذرة أو قصب السكر - مشابهة كيميائيا للبلاستيك المشتق من الوقود الأحفوري، في حين صممت مواد أخرى لتتحلل في ظل ظروف محددة.
وحذر التقرير من أن مواد التغليف النباتية قد تنطوي على مخاطر مرتبطة بأصولها الزراعية، بما في ذلك بقايا المبيدات الحشرية، والسموم الطبيعية، والسموم الفطرية، والمعادن الثقيلة. كما قد تسمح المواد القائمة على البروتين بانتقال مسببات الحساسية - مثل الغلوتين - إلى داخل الغذاء.
وعلى غرار البلاستيك التقليدي، تعتمد العديد من المواد البديلة أيضا على إضافات كيميائية لتحسين أدائها، ولا يزال بعضها يفتقر إلى بيانات كافية حول سلامتها على المدى الطويل.
رسالة التقرير واضحة: قد تساعد المواد البديلة في الحد من النفايات البلاستيكية، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى تقييم دقيق لسلامة الغذاء قبل الشروع في استخدامها على نطاق واسع.
اللدائن الدقيقة والنانوية
يتطرق التقرير أيضا إلى القلق العام المتزايد بشأن اللدائن الدقيقة والنانوية التي يُعثر عليها في الأغذية والمشروبات. وقد رصد العلماء جزيئات بلاستيكية صغيرة للغاية في دم الإنسان، ورئتيه، وحليب الأم، والمشيمة، مما يؤكد انتشار التعرض البشري لهذه الجزيئات على نطاق واسع.
ولكن على الرغم من تزايد المخاوف، لا يزال المنظمون يفتقرون إلى أساليب موثوقة وموحدة للكشف عن هذه الجزيئات وقياسها بشكل متسق، مما يجعل من الصعب تحديد المخاطر الواضحة التي قد تشكلها على صحة الإنسان.
وأشار التحليل إلى أن مرافق إعادة التدوير نفسها قد تساهم في التلوث باللدائن الدقيقة، لا سيما أثناء عمليات إعادة التدوير الميكانيكية التي تعمل على تفتيت البلاستيك إلى شظايا أصغر حجما.
وقال مسؤول سلامة وجودة الأغذية لدى الفاو: "يجب أن يبدأ الأمر بإخضاع عمليات إعادة التدوير لرقابة صارمة، بما في ذلك عمليات التنظيف وإزالة الملوثات الكيميائية".
وأضاف فاتوري أن العديد من المواد المرتبطة بتغليف الأغذية لا تزال تفتقر إلى بيانات سلامة كافية، مما يؤكد الحاجة إلى مزيد من الأبحاث حول كيفية تشكيل المواد الكيميائية وانتقالها إلى الغذاء.
نحو معايير دولية موحدة
من المتوقع أن تسهم نتائج التحليل في إثراء المناقشات الجارية في هيئة الدستور الغذائي، وهي الهيئة الدولية المعنية بمعايير الغذاء التي أنشأتها منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية.    
وأشار التقرير إلى أن الدول تطبق حاليا مناهج تنظيمية مختلفة فيما يتعلق بالبلاستيك المعاد تدويره ومواد تغليف الأغذية، مما يشكل تحديات محتملة للتجارة وحماية المستهلك.
وقال فاتوري إن دور الفاو يتمثل في تقديم الدعم للدول أولا، "من خلال توحيد اللوائح المتعلقة بسلامة الأغذية المرتبطة بمواد التغليف، على سبيل المثال".
ووفقا للتقرير، فإن توحيد المعايير العالمية من شأنه أن يدعم إجراء تقييمات قوية للمخاطر تستند إلى أسس علمية، ويساعد الدول في الوقت نفسه على تعزيز جهودها للحد من النفايات البلاستيكية.

مشاركة الخبر

الأخبار المتعلقة

تعليقات

لا يوجد تعليقات