بين ترامب وإنفانتينو.. «بطاقة حمراء» تهز عرش الفيفا وتفتح بابًا لتمرد أوروبي

بروكسل – يحي يحياوي

لم يكن إعلان جياني إنفانتينو ترشحه لولاية جديدة على رأس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» مجرد محطة انتخابية عادية في مسار واحدة من أقوى المؤسسات الرياضية في العالم. فهذه المرة، يبدو أن السباق نحو رئاسة الفيفا يتقاطع مع أسئلة سياسية ومؤسساتية تتجاوز حدود ملاعب كرة القدم، لتصل إلى صميم العلاقة بين الرياضة والنفوذ والشفافية والحوكمة.

وفي خضم هذا المشهد، برز الموقف البلجيكي باعتباره واحدًا من أكثر المواقف الأوروبية لفتًا للانتباه، بعدما اختارت بروكسل رفع صوتها في مواجهة ما تعتبره أسئلة مشروعة حول طريقة إدارة المؤسسة الكروية الدولية وعلاقاتها بمراكز النفوذ السياسي.

القصة، إذن، لا تختصر في علاقة شخصية بين دونالد ترامب وجياني إنفانتينو، ولا في خلاف عابر بين مسؤولين. إنها تعكس صراعًا أوسع حول طبيعة إدارة كرة القدم العالمية، ومن يملك حق وضع قواعد اللعبة خارج المستطيل الأخضر.

 

من الملاعب إلى ممرات السياسة
خلال السنوات الأخيرة، أصبح الفيفا أكثر حضورًا في المشهد السياسي والاقتصادي الدولي. فاستضافة البطولات الكبرى، وتوزيع الاستثمارات، وبرامج التمويل، والعلاقات مع الحكومات والاتحادات القارية، كلها ملفات جعلت من الاتحاد الدولي مؤسسة ذات تأثير يتجاوز الرياضة.

ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المقبل، تزداد أهمية الأسئلة المتعلقة بالشفافية وآليات اتخاذ القرار، خصوصًا في ظل تنامي الدعوات الأوروبية إلى تعزيز الحوكمة داخل المؤسسات الرياضية الدولية.

وهنا تأتي أهمية الموقف البلجيكي. فبلجيكا، رغم محدودية وزنها الجغرافي، تمتلك موقعًا مؤسساتيًا استثنائيًا داخل أوروبا، باعتبارها مقرًا للاتحاد الأوروبي وموطنًا لعدد كبير من المؤسسات الدولية.

ومن بروكسل، يمكن لرسالة سياسية أو مؤسساتية محددة أن تتحول سريعًا إلى نقاش أوروبي أوسع.

 

«لا دعم بلا شفافية»
الموقف البلجيكي يطرح معادلة واضحة: الثقة في المؤسسات الرياضية الدولية لا يمكن أن تكون منفصلة عن قواعد الحوكمة والمساءلة والشفافية.

وهذا الطرح لا يعني بالضرورة أن أوروبا تتجه إلى مواجهة مفتوحة مع إنفانتينو أو إلى تشكيل جبهة موحدة ضد استمرار قيادته للفيفا. لكن مجرد انتقال النقاش من حدود الخلاف الرياضي إلى مستوى مؤسساتي وسياسي يكتسب أهمية كبيرة.

فالانتخابات في الفيفا لا تُحسم فقط عبر شعبية المرشح أو سجله في إدارة الاتحاد، وإنما أيضًا من خلال شبكة واسعة من العلاقات والتوازنات بين الاتحادات القارية والوطنية.

ومن هنا، فإن أي اعتراض أوروبي، مهما بدا محدودًا في بدايته، يمكن أن يصبح مؤثرًا إذا تحول إلى موقف جماعي.

 

ترامب وإنفانتينو.. علاقة تتجاوز كرة القدم
في الجانب الآخر من المشهد، تحضر العلاقة بين دونالد ترامب وجياني إنفانتينو بقوة، خصوصًا مع الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في استضافة الأحداث الكروية الكبرى.

لكن العلاقة بين الرجلين لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي والاقتصادي الأوسع. فالرياضة أصبحت في السنوات الأخيرة إحدى أدوات القوة الناعمة، والبطولات الكبرى تحولت إلى منصات لتأكيد النفوذ وبناء العلاقات الدولية.

ومن هنا، فإن كرة القدم العالمية لم تعد مجرد منافسة رياضية. إنها أيضًا مساحة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية.

 

هل بدأت «بطاقة حمراء» أوروبية؟
السؤال الأهم الآن ليس ما إذا كانت بلجيكا تعارض إنفانتينو فحسب، وإنما: هل يمكن أن يتحول الموقف البلجيكي إلى بداية نقاش أوروبي أوسع حول مستقبل حوكمة الفيفا؟

حتى الآن، من المبكر الحديث عن «تمرد أوروبي» مكتمل الأركان. فالاتحادات الأوروبية ليست بالضرورة على موقف واحد، كما أن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «UEFA» والفيفا تحكمها حسابات رياضية ومؤسساتية معقدة.

لكن المؤشرات السياسية والمؤسساتية تستحق المتابعة.

فإذا انتقل النقاش من موقف وطني إلى مواقف متقاربة بين عدد من الاتحادات الأوروبية، فقد يصبح ملف الحوكمة جزءًا أساسيًا من النقاش حول انتخابات الفيفا المقبلة.

أما إذا بقيت الاعتراضات منفصلة ومحدودة، فقد ينتهي الأمر إلى معالجة مؤسساتية أو تنظيمية دون أن يؤثر بصورة جوهرية على موازين القوى داخل الاتحاد الدولي.

 

معركة الثقة
في النهاية، قد تكون المعركة الحقيقية التي تواجه الفيفا اليوم هي معركة الثقة.

فالقرارات الكبرى المتعلقة بكرة القدم العالمية تحتاج إلى مؤسسات تحظى بثقة الاتحادات واللاعبين والجمهور. وكلما ازدادت الأسئلة حول الشفافية وآليات اتخاذ القرار، ازدادت الحاجة إلى تقديم إجابات واضحة ومقنعة.

وهنا تكمن أهمية الرسالة القادمة من بروكسل: الشفافية ليست تفصيلًا إداريًا، بل عنصر أساسي في شرعية المؤسسات الرياضية الدولية.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستتوسع دائرة الاعتراضات الأوروبية لتصبح قضية مؤسساتية عابرة للحدود، أم ستظل ضمن إطار المواقف الوطنية والتحقيقات والنقاشات التنظيمية؟

الإجابة ستتضح مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.

لكن المؤكد أن سباق رئاسة الفيفا لم يعد شأنًا رياضيًا محضًا. ففي عالم أصبحت فيه كرة القدم صناعة عالمية وقوة ناعمة وأداة للتأثير الدولي، فإن من يحكم اللعبة لا يدير الملاعب فقط، بل يدير شبكة هائلة من المصالح والعلاقات والنفوذ.

ومن بروكسل، بدأت بطاقة حمراء رمزية تلوح في الأفق.

ويبقى السؤال: هل ستكون مجرد إنذار، أم بداية لمراجعة أوسع لقواعد حوكمة كرة القدم العالمية؟

 

يحي يحياوي
بروكسل

مشاركة الخبر

الأخبار المتعلقة

تعليقات

لا يوجد تعليقات