الذكاء الاصطناعي يغير طريقة تفكيرنا ..الوضع الراهن هو انتقال من حالة "الخوف من فوات ركب الذكاء الاصطناعي إلى حالة أشبه بـ "صداع ما بعد الإفراط في استخدامه".

 

 
نيويورك : اوروبا والعرب

 

يعدنا الذكاء الاصطناعي بجعل حياتنا أكثر سهولة؛ فبضغطة زر، يمكنه كتابة رسائل البريد الإلكتروني، وتلخيص التقارير، وتوليد الأفكار، والإجابة عن أسئلة معقدة في ثوان معدودة. وبالنسبة للكثيرين، يبدو هذا قفزة تكنولوجية تضاهي في أهميتها ظهور الإنترنت ذاته.
لكن وفقا للخبير في علم الأعصاب ديفيد روك فإن السؤال الأهم ليس ما يقدمه لنا الذكاء الاصطناعي، بل ما قد يفعله بنا. بحسب ماجاء في نشرة الاخبار اليومية للامم المتحدة التي تلقينا نسخة منها 
في حوار مع أخبار الأمم المتحدة قال روك: "من بعض النواحي، لا تغيرنا التكنولوجيا على الإطلاق". فلا تزال الأدمغة البشرية تتخذ القرارات، وتحل المشكلات، وتستجيب للتحديات بالطريقة ذاتها التي كانت تتبعها منذ آلاف السنين. ومع ذلك، يخبرنا التاريخ أن الأحداث الكبرى والضغوط طويلة الأمد يمكن أن تترك بصمات دائمة على الدماغ، مما يشكل السلوك لسنوات أو حتى لأجيال.
المفارقة الكبرى للذكاء الاصطناعي
قد تكون الثورة التكنولوجية التي نشهدها اليوم إحدى تلك اللحظات الفارقة.
ويشير روك إلى أن الفارق يكمن في أن التكنولوجيا تمنحنا - بشكل متزايد - شعورا بالسيطرة على كل شيء تقريبا؛ فإذا أردت وسيلة نقل، ما عليك سوى الضغط على زر، وإذا أردت طلب وجبة عشاء، فبضغطة زر أخرى تصلك الوجبة، وإذا بحثت عن معلومة، فهي متاحة أمامك على الفور.
هذا الشعور المتنامي بالاستقلالية قد يكون محررا، لكنه في الوقت ذاته ينصب فخا خفيا، لا سيما مع قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على أداء مهام كانت تتطلب في السابق جهدا ذهنيا كبيرا.
"حافظ على نشاط عقلك"
لا تكمن المشكلة الحقيقية في تزايد قوة الذكاء الاصطناعي، بل في استعداد البشر المتزايد للتخلي عن عملية التفكير ذاتها.
وقد وصف روك الوضع الراهن بأنه انتقال من حالة "الخوف من فوات ركب الذكاء الاصطناعي" (AI FOMO) إلى حالة أشبه بـ "صداع ما بعد الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي". فقد سارعت المؤسسات إلى تبني أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، غالبا قبل استيعاب آثارها طويلة المدى بشكل كامل، والآن بدأت العواقب تتضح أكثر فأكثر.
وما يراه روك يثير قلقه.
فقلة قليلة من الأفراد - ربما ما بين 5% إلى 10% - يستخدمون الذكاء الاصطناعي كما ينبغي: أي لتفويض المهام الروتينية وتوفير القدرة الذهنية لأعمال أكثر تطلبا. أما الغالبية العظمى، فيفعلون العكس تماما.
يقول روك: "الدماغ بطبيعته يميل إلى توفير الطاقة؛ لذا فمن المغري جدا أن تريح عقلك من عناء التفكير تماما". 
ويحذر من أن النتيجة هي تآكل تدريجي في القدرة على إصدار الأحكام؛ فعندما يفوّض الأفراد للذكاء الاصطناعي ليس فقط المهام الروتينية، بل أيضا عمليات التحليل والتقييم واتخاذ القرارات، فهم يخاطرون بفقدان قدرتهم على التمييز بين الأفكار الجيدة والسيئة.
قد يقدم الذكاء الاصطناعي الإجابات بسرعة، إلا أن السرعة لا تعادل الحكمة. وهنا يقول: "حافظ على عقلك حاضرا وفاعلا؛ فعندما يتوقف عقلك عن المشاركة النشطة، ستفقد تلك المهارات بسرعة كبيرة".
أزمة الانتباه
يأتي صعود الذكاء الاصطناعي في وقت يعاني فيه الكثيرون بالفعل من صعوبة في التركيز.
ويرى روك أن التحدي الأكبر الذي يواجه الأفراد اليوم ليس نقص المعلومات، بل وفرتها المفرطة التي تفوق القدرة على الاستيعاب.
ويشبّه الوضع الراهن بظهور البريد الإلكتروني، الذي أدى حينها إلى زيادة هائلة في حجم المعلومات التي يتوجب على الأفراد معالجتها. أما اليوم، فقد أصبح النطاق أوسع بكثير؛ إذ يواجه الأفراد سيلا من الرسائل، والتحديثات، والإشعارات، والملخصات التي يولدها الذكاء الاصطناعي، وهي كميات تفوق غالبا ما يمكن للعقل البشري التعامل معه بشكل واقعي..
ويؤكد قائلا: "لعقولنا حدود فعلية". تستطيع الحواسيب معالجة آلاف القرارات في لحظات، بينما لا يملك البشر هذه القدرة. ومع ذلك، تواصل العديد من المؤسسات العمل وكأن لدى البشر قدرة غير محدودة على الانتباه واتخاذ القرارات.
ويعتقد روك أن المجتمع لا يزال في "مرحلة التأقلم" مع الذكاء الاصطناعي، تماما كما كانت الحال في بدايات ظهور السيارات، قبل وضع قوانين المرور وحدود السرعة. لقد وصلت هذه التكنولوجيا بوتيرة أسرع من تطور الأعراف الاجتماعية والضوابط اللازمة لاستخدامها بمسؤولية.
تكنولوجيا تسعى لتكون صديقتك
على عكس الطفرات التكنولوجية السابقة، ربما يغير الذكاء الاصطناعي جانبا أكثر جوهرية من مجرد العمل. يقول روك: "إنه يتلاعب بآليات الارتباط الإنساني".
فبينما كانت التلفاز والكتب والهواتف الذكية تتنافس على جذب انتباهنا، أصبح الذكاء الاصطناعي ينافس اليوم على علاقاتنا الشخصية. إذ يتجه مزيد من الناس نحو "روبوتات الدردشة" (chatbots)، ليس فقط للحصول على المعلومات، بل طلبا للحوار، والرفقة، والمشورة.
وهذا الاتجاه يثير قلقه.
ويشير إلى أن الأبحاث توحي بأن الأشخاص الذين يقضون وقتا طويلا في التفاعل مع "رفاق" من الذكاء الاصطناعي قد يشعرون بمزيد من الوحدة بدلا من التخلص منها. كما تشير دراسات أخرى إلى وجود صلة بين الاعتماد المكثف على روبوتات الدردشة وبين تزايد الانعزال عن التفاعلات الاجتماعية في العالم الواقعي.
لقد تطور العقل البشري ليكون متمحورا حول العلاقات مع البشر الآخرين. قد ينطوي استبدال جزء كبير من ذلك التفاعل بآلات على ثمن نفسي بدأ المجتمع للتو في إدراك أبعاده.
ومع ازدياد تطور الذكاء الاصطناعي، وتضافر تقنيات الروبوتات والحوسبة فائقة السرعة وأجيال الإنترنت المستقبلية، فمن المرجح أن تزداد هذه التساؤلات إلحاحا.
لماذا قد يزداد التواصل البشري قيمة؟
من المفارقات أنه كلما زادت قدرات الآلات، ازدادت قيمة العلاقات البشرية.
يرى روك أن المستقبل سيمنح أهمية قصوى للثقة، والتواصل البشري الحقيقي. ففي عالم تستطيع فيه الآلات إنشاء المحتوى، وتحليل البيانات، ومحاكاة المحادثات، قديصبح ما يختص به البشر وحدهم أكثر قيمة.
ويضيف: "ستكتسب التجربة البشرية قيمة أعلى بكثير". وبدلا من استبدال البشر، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف إلى تعزيز أهمية الشبكات البشرية، والعلاقات العميقة، والتعاون الهادف.
هذا المستقبل ليس مضمونا، لكنه يمثل استجابة محتملة لعالم يشهد تسارعا في التغير التكنولوجي. وهذا التسارع هو بالضبط ما يتوقعه روك حيث يقول: "لم يشهد العالم من قبل مثل هذه السرعة في التغيير، ولن يكون التغيير بهذا البطء مرة أخرى أبدا".
المهارة التي قد تكون الأكثر أهمية
إذن، كيف يمكن للبشر التكيف؟ تتلخص إجابة روك في مفهوم واحد: "ما وراء المعرفة "(metacognition)، أو التفكير في التفكير.
ويرى أنه بدلا من السماح للذكاء الاصطناعي بالهيمنة، ينبغي للبشر الحفاظ على زمام الأمور، واستخدام هذه الأنظمة لتحدي وجهات نظرهم وتوسيع آفاقهم، لا لاستبدال تفكيرهم.
يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة البشر في النظر إلى وجهات نظر قد يغفلون عنها، واختبار افتراضاتهم، واستكشاف تفسيرات بديلة؛ لكن مسؤولية إصدار الأحكام يجب أن تظل بيد البشر.
ويطلق على هذا النهج اسم "قيادة البشر". ويؤكد أن التكنولوجيا تؤدي دورها الأمثل عندما تساهم في تعميق التفكير، لا عندما تحل محله.
ومع تغلغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتنا اليومية، قد يصبح هذا التمييز بالغ الأهمية. فبينما قد تزداد الآلات ذكاء وسرعة، يظل التحدي أمام البشرية متمثلا في ضمان بقاء عقولنا حاضرة وفاعلة.
ذلك لأن المستقبل قد لا يعتمد على مدى تطور الذكاء الاصطناعي، بل على مدى استمرارنا في ممارسة وتوظيف الذكاء الذي نمتلكه بالفعل.
الدكتور ديفيد روك، الذي صاغ مصطلح "القيادة العصبية" (neuroleadership)، هو المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لـ "معهد القيادة العصبية" (Neuro Leadership Institute)؛ وهي مؤسسة استشارية عالمية توظف علوم الأعصاب في مجالات القيادة والأداء التنظيمي. هو مؤلف لعدة كتب، من بينها أحد الكتب الأكثر مبيعا "Your Brain at Work". كما يعد أحد المتحدثين الرئيسيين في فعالية "UN Skills Fest 2026"بمقر الأمم المتحدة.

مشاركة الخبر

الأخبار المتعلقة

تعليقات

لا يوجد تعليقات